العيني

41

عمدة القاري

وقال الحَسَنُ إذَا قال لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ المَوْتِ قَدْ كنْتُ أعْتَقْتُكِ جازَ الحسن هو البصري ، وهذا على أصله أن إقرار المريض نافذ مطلقاً ، فهذا على إطلاقه يتناول أن يكون من جميع ماله ، ويخالفه غيره فلا يعتق إلاَّ من الثلث . وقال الشَّعْبِيُّ إذَا قالَتِ المَرْأةُ عِنْدَ مَوْتِها إنَّ زَوْجِي قَضانِي وقَبَضْتُ مِنْهُ جازَ الشعبي هو عامر . قوله : ( قضاني ) ، يعني : أداني حقي ، جاز إقرارها . قال ابن التين : لأنها لا تتهم بالميل إلى زوجها في تلك الحالة ، ولا سيما إذا كان لها ولد من غيره . وقالَ بَعْضُ الناسِ لاَ يَجُوزُ إقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ ثُمَّ اسْتَحْسَنَ فقال يَجُوزُ إقْرَارُهُ بالْوَدِيعَةِ والبِضَاعَةِ والْمُضَارَبَةِ قال صاحب ( التوضيح ) : المراد ببعض الناس أبو حنيفة . وقال الكرماني . قوله : ( وقال بعض الناس ) أي ، كالحنفية . قلت : هذا كله تشنيع على أبي حنيفة أو على الحنفية مطلقاً ، مع أن فيه سوء الأدب على ما لا يخفى . قوله : ( لا يجوز إقراره ) ، أي : إقرار المريض لبعض الورثة . قوله : ( لسوء الظن به ) ، أي : بهذا الإقرار ، أي : مظنة أن يريد الإساءة بالبعض الآخر منهم ، وهذا لا يطلق عليه سوء الظن ، ولم يعلل الحنفية عدم جواز إقرار المريض لبعض الورثة بهذه العبارة ، بل قالوا : لا يجوز ذلك لأنه ضرر لبقية الورثة مع ورود قوله ، صلى الله عليه وسلم : ( لا وصية لوارث ولا إقرار له بدين ) ، ومذهب مالك كمذهب أبي حنيفة : إذا اتهم وهو اختيار الروياني من الشافعية ، وعن شريح والحسن بن صالح : لا يجوز إقرار المريض لوارث إلاَّ لزوجته بصداقها ، وعن القاسم وسالم والثوري : لا يجوز إقرار المريض لوارثه مطلقاً ، وزعم ابن المنذر : أن الشافعي رجع إلى قول هؤلاء ، وبه قال أحمد ، والعجب من البخاري أنه خصص الحنفية بالتشنيع عليهم وهم ما هم منفردون فيما ذهبوا إليه ، ولكن ليس هذا إلاَّ بسبب أمر سبق فيما بينهم ، والله أعلم . قوله : ( ثم استحسن ) ، أي : بعض الناس ، هذا ، أي : رأى بالاستحسان ، فقال . . . إلى آخره والفرق بين الإقرار بالدين وبين الإقرار بالوديعة والبضاعة والمضاربة ظاهر ، لأن مبنى الإقرار بالدين على اللزوم ، ومبنى الإقرار بهذه الأشياء المذكورة على الأمانة ، وبين اللزوم والأمانة فرق عظيم . وقدْ قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إيَّاكُمْ والظَّنَّ فإن الظن أكْذَبُ الحَدِيثِ احتج البخاري بهذا القول نقلاً عن الحنفية لسوء الظن به للورثة ، وذلك لأن الظن محذر عنه لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والظن ) ، وإنما يصح هذا الاحتجاج إذا ثبت أن الحنفية عللوا بسوء الظن به للورثة ، وقد منعنا هذا عن قريب ، ولئن سلمنا أن هذا ظن فلا نسلم أنه ظن فاسد ، والمحذر عنه الظن الفاسد ، ثم هذا الحديث الذي ذكره معلقاً طرف من حديث سيأتي في الأدب موصولاً من وجهين عن أبي هريرة ، وقال الكرماني : فإن قلت : الصدق والكذب صفتان للقول لا للظن ، ثم إنهما لا يقبلان الزيادة والنقص ، فكيف يبنى منه أفعل التفضيل ؟ قلت : جعل الظن للمتكلم فوصف بهما كما وصف المتكلم ، فيقال متكلم صادق وكاذب ، والمتكلم يقبل الزيادة والنقصان في الصدق والكذب ، فيقال : زيد أصدق من عمرو ، فمعناه : الظن أكذب في الحديث من غيره . ولاَ يَحِلُّ مالُ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : آيَةُ المُنَافِقِ إذَا ائْتُمِنَ خانَ هذا احتجاج آخر لما ادعاه البخاري ، ولكن لا يستقيم لأن فيه تعسفاً شديداً ، لأن الكرماني وجهه بالجر الثقيل على ما لا يخفى ، وهو أنه إذا وجب ترك الخيانة وجب الإقرار بما عليه ، وإذا أقر لا بد من اعتبار إقراره ، وإلاَّ لم يكن لإيجاب الإقرار فائدة . انتهى . قلت : سلمنا وجوب ترك الخيانة ، ولكن لا نسلم وجوب الإقرار بما عليه إلاَّ في موضع ليس فيه تهمة ولا أذى للغير ، كما في الإقرار للأجنبي ، وأما الإقرار لوارثه ففيه تهمة ظاهرة ، وأذًى ظاهر لبقية الورثة ، وهذا ظاهر لا يدفع . فإن قلت : هذا